الشيخ محمد رشيد رضا
200
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وأما الأمور الدنيوية من حلال وحرام وسياسة وقضاء وآداب فهي تنقسم بحسب الأدلة إلى ستة أقسام الأول - ما فيه نص صحيح صريح في الحكم وارد مورد التكليف الشرعي العام ، فالواجب أن يعمل بذلك النص ما لم يعارضه ما هو أرجح منه من النصوص الخاصة بموضوعه أو العامة كنفي الحرج ونفي الضرر والضرار ، وكون الضرورات تبيح المحظورات بنص قوله تعالى ( إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ) وفي هذه الحال يجب على أئمة المسلمين تنفيذه ومؤاخذة من تركه الثاني - ما يدل عليه نص صحيح بعمومه أو تعليله أو مفهومه دلالة واضحة أجمع عليها أهل الصدر الأول أو عمل بها جمهورهم ، وعرف شذوذ من خالف منهم فالواجب في هذا عين الواجب فيما قبله بشرطه ، عند من عرفه الثالث - ما ورد فيه نص تكليفي غير صريح ، أو حديث غير واه ولا صحيح ، فاختلف فيه الصحابة أو غيرهم من علماء السلف وأئمة الفقه ان كان مما وقع في زمنهم - فمثل هذا يعمل فيه كل مكلف باجتهاد نفسه ، ويعذر كل من خالفه فيما ظهر له انه الحق فلا يعيبه ولا ينتقده ، كما اختلف السلف في بعض أحكام الطهارة والنجاسة ولم يعب أحدهم مخالفه فيه ولم يمتنع من الصلاة معه لا إماما ولا مقتديا . وكما فهم بعض الصحابة من آية البقرة في الخمر تحريمها وبعضهم عدم تحريمها فعمل كل بما ظهر له ولم يعترض على غيره ومثله ما يستنبطه بعض العلماء من الكتاب والسنة في كل زمان ، فمن ظهر له ان ذلك من الدين وان كلام اللّه تعالى أو سنة رسوله دالة ( ص ) عليه عمل به ، ومن لم يظهر له ذلك فلا يكلفه تقليدا لمن استنبطه ، وقد نقل عن أشهر المجتهدين من الفقهاء انه لا يجوز لاحد ان يقلدهم وان يأخذ بشيء من أقوالهم الا إذا عرف مأخذه وظهر له صحة دليله ، وعند ذلك يكون متبعا لما أنزل اللّه لا لآراء الناس ، فلا يكون مخالفا لقوله تعالى ( اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ) وأما ما يتعلق بالأمور العامة من هذا القسم كالاحكام القضائية والسياسة ينبغي